|
(الحمد لله الذي ارتفعت مطارح الفكر جلالته، وجلت عن
مطامع الهمم عزته، وتعالت عن مشابهة الأنام صفته، وأعجزت مدارك الإفهام
حكمته، وفاقت مبالغ الأوهام عظمته، الذي له في كل ما رأته الأبصار اللاحظة،
وذكرته الألسن اللافظة، وبلغته العقول الزاكية، وعرفته القلوب الواعية، آيات
واضحة على وحدانيته، ودلالات ناطقة على ربوبيته، الواحد لا ثاني له في القدم،
...
من (مقدمة الكتاب)
ومن توابع (مقدمة الكتاب) نقرأ من العنوان الأول: (في
تعداد آي القرآن والفائدة من معرفتها).
أعلم أن عدد أهل الكوفة أصح الأعداد وأعلاها إسناداً،
لأنه مأخوذ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وتعضده الرواية الواردة عن
النبي (ص) أنه قال: (فاتحة الكتاب سبع آيات إحداهن بسم الله الرحمن الرحيم...
وقبل: المدني الأول هو الحسن بن علي بن أبي طالب.... (فالحق والحق أقول)...
الفائدة في معرفة أي القرآن أن القارئ إذا عدّها بأصابعه كان أكثر ثواباً،
لأنه قد شغل يده بالقرآن مع قلبه ولسانه، وبالحري أن تشهد له يوم القيامة،
فإنها مسؤولة، ولأن ذلك أقرب إلى التحفظ، فإن القارئ لا يأمن من السهو، وقد
روي عبد الله بن مسعود عن النبي (ص) أنه قال لبعض النساء: (أعقدن بالأنامل
فإنهن مسؤولات ومستنطقات).
ومن العنوان الثاني (في ذكر أسامي القراء المشهورين في
الأمصار ورواتهم) نقرأ:
أما المدني: فأبو جعفر يزيد بن القعقاع،... وذكر أنه
قرأ على عبد الله بن عباس...
وأما المكي: فهو عبد الله بن كثير... وإذا اجتمع أهل
مكة والمدينة قيل حجازي.
وأما الكوفي: فأولهم عاصم بن أبي النجود بن بهدله، وله
روايتان: رواية حفص بن سليمان البزاز، ورواية أبي بكر بن عياش...
وأما البصري: فأبو عمرو بن العلاء... وإذا اجتمع أهل
البصرة والكوفة قيل عراقي.
وأما الشامي: فهو عبد الله بن عامر اليحصبي لا غير،
وقرأ على المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، وقرأ المغيرة على عثمان بن عفان...
قالوا: وإنما اجتمع الناس على قراءة هؤلاء واقتدوا بهم
لسببين:
أحدهما: أنهم تجردوا لقراءة القرآن، واشتدت بذلك
عنايتهم مع كثرة علمهم، ومن كان قبلهم أو في أزمنتهم.
والآخر: إن قراءتهم وجدت مسندة لفظاً أو سماعاً حرفاً
حرفاً من أول القرآن إلى آخره، مع ما عرف من فضائلهم، وكثرة علمهم بوجود
القرآن.
وروي عن ابن مسعود عن النبي (ص) أنه قال: (نزل القرآن
على سبعة أحرف: زجر وأمر وترغيب وترهيب وجدل وقصص ومثل).
وقال بعضهم: ناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه ومجمل ومفصل،
وتأويل لا يعلمه إلا الله عز وجل.
ومع العنوان الثالث (في ذكر التفسير والتأويل والمعنى،
وتحرير جملة موجزة إليها ينساق الكلام فيما يأتي من الكتاب) نقرأ:
التفسير: كشف المراد عن اللفظ المشكل. والتأويل: رد
أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر والتفسير البيان، وقال أبو العباس المبرد:
التفسير والتأويل والمعنى واحد. وقيل: التفسير كشف المغطى. والتأويل انتهاء
الشيء ومصيره وما يؤول إليه أمره...
وأعلم أن الخبر قد صحّ عن النبي (ص) وعن الأئمة
القائمين مقامه (ع) أن تفسير القرآن لا يجوز إلا بالأثر الصحيح، والنص الصريح
فأما الذي لا يعذر أحد بجهالته: فهو ما يلزم الكافة من الشرائع التي في
القرآن، وجمع دلائل التوحيد، وأما الذي تعرفه العرب بلسانها: فهو حقائق اللغة
وموضوع كلامهم. وأما الذي يعلمه العلماء: فهو تأويل المتشابه وفروع الأحكام.
وأما الذي لا يعلمه إلا الله: فهو ما يجري مجرى الغيوب وقيام الساعة.
وقد روي عن النبي (ص) أنه قال: (أعربوا القرآن
والتمسوا غرائبه) وإذا كان ظاهر القرآن طبقاً لمعناه، فكل من عرف العربية
والإعراب عرف فحواه ويعلم مراد الله به قطعاً، هذا إذا كان اللفظ... يحتاج
إلى بيان، ولا محتمل لمعنيين أو معان، وذلك مثل قوله: (ولا تقتلوا النفس التي
حرم الله إلا بالحق) وقوله: (وإلهكم إله واحد) وقوله: (ولا يظلم ربك أحداً)
وأشباه ذلك.
وأما ما كان مجملاً لا ينبئ ظاهره عن المراد به مفصلاً
مثل قوله سبحانه: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) فإنه يحتاج فيه إلى بيان
النبي (ص) بوحي من الله سبحانه وتعالى إليه، فيبين تفصيل أعيان الصلوات
وأعداد الركعات ومقادير النصب في الزكاة، وأمثالها كثيرة. والشروع في بيان
ذلك من غير نص وتوقيف ممنوع منه، ويمكن أن يكون الخبر الذي تقدمّ محمولاً
عليه.
وأما ما كان محتملاً لأمور كثيرة أو لأمرين: فلا يجوز
أن يكون... المراد به إلا وجهاً واحداً.
وضمن العنوان الرابع (في ذكر أسامي القرآن ومعانيها)
نقرأ:
القرآن: معناه القراءة في الأصل، وهو مصدر قرأت أي:
تلوت، وهو المروي عن ابن عباس. وقيل: هو مصدر قرأت الشيء أي: جمعت بعضه إلى
بعض...
وفي متن العنوان الخامس (في أشياء من علوم القرآن
سيحال في شرحها، وبسط الكلام فيها على المواضع المختصة بها، والكتب المؤلفة
فيها) نقرأ:
من ذلك: العلم يكون القرآن معجزاً خارقاً للعادة،
والاستدلال به على صدق النبي (ص) والكلام في وجه إعجازه،... وهو أن الله
تعالى صرف العرب عن معارضته...
ومن ذلك: الكلام في زيادة القرآن ونقصانه، فإنه لا
يليق بالتفسير فأما الزيادة فيه فمجمع على بطلانه، وأما النقصان منه: فقد
روي... أن في القرآن تغييراً أو نقصاناً،...
ومن متن العنوان السادس (في ذكر بعض ما جاء من الأخبار
المشهورة في فضل القرآن وأهله) نقرأ:
أنس بن مالك عن النبي (ص) قال: (أهل القرآن هم أهل
الله وخاصته). وعنه أنه قال (ص): (أفضل العبادة قراءة القرآن) وعنه أنه قال
(ص): (القرآن غني لا غنى دونه، ولا فقر بعده).
عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله (ص): (أشراف
أمتي حملة القرآن...) عن عبد الله بن مسعود عنه (ص) قال: (أن هذا القرآن
مأدبة الله، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله، وهو
النور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه...
ومما بينه العنوان السادس (في ذكر ما يستحب للقارئ من
تحسين اللفظ، وتزيين الصوت بقراءة القرآن) نقرأ:
البراء بن عازب قال: قال رسول الله (ص): (زينوا القرآن
بأصواتكم).
حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله (ص): اقرؤوا
القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق، وأهل الكتابين....
أنس بن مالك عن النبي (ص): (أن لكل شيء حلية، وحلية
القرآن الصوت الحسن). |